فخر الدين الرازي

213

تفسير الرازي

البحث الثالث : قوله : * ( كلوا من ثمره ) * يدل على أن صيغة الأمر قد ترد في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب ، وعند هذا قال بعضهم : الأصل في الاستعمال الحقيقة ، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر ، فلهذا قالوا : الأمر مقتضاه الإباحة ، إلا أنا نقول : نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل ، وأن حملها على الإباحة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل . أما قوله تعالى : * ( وآتوا حقه يوم حصاده ) * ففيه أبحاث : البحث الأول : قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم * ( حصاده ) * بفتح الحاء والباقون بكسر الحاء قال الواحدي : قال جميع أهل اللغة يقال : حصاد وحصاد ، وجداد وجداد ، وقطاف وقطاف ، وجذاذ وجذاذ ، وقال سيبويه جاؤوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال ، وربما قالوا فيه فعال . البحث الثاني : في تفسير قوله : * ( وآتوا حقه ) * ثلاثة أقوال . القول الأول : قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء ، ونصف العشر فيما سقي بالدواليب ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك . فإن قالوا : كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل ؟ وأيضاً هذه السورة مكية ، وإيجاب الزكاة مدني . قلنا : لما تعذر إجراء قوله : * ( وآتوا حقه ) * على ظاهره بالدليل الذي ذكرتم . لا جرم حملناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت ، والمعنى : اعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء . والجواب عن السؤال الثاني : لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة ، بل لا نزاع أن الآية المدنية وردت بإيجابها ، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت واجبة بمكة . وقيل أيضاً : هذه الآية مدنية . والقول الثاني : أن هذا حق في المال سوى الزكاة . وقال مجاهد : إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا كربلته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته . والقول الثالث : أن هذا كان قبل وجوب الزكاة ، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا ، وهذا قول سعيد بن جبير ، والأصح هو القول الأول ، والدليل عليه أن قوله تعالى : * ( وآتوا حقه ) * إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة . وقد قال عليه الصلاة